للذين
لا يزالوا خائفين من عقولهم،
لستم وحدكم .. فكلنا نجهل.
في
بداية شكوكه، سؤال واحد، دخل و لم يخرج.
هل أنا
حقيقي؟ هل كل شيء من حولي حقيقة؟ أم أنه
مجرد وهم؟ أم تجربة تدار من مختبرٍ ما؟
أم محاكاة في حاسب عملاق؟
خوف،
قلق، بكاء، و محاولة للتعلق بأي أمل.
هناك
بدأت الأفكار و الاسئلة التي لم تلبث لتصل
لذات الله، حكمته، الخلق، و تصرفاته بكل
تفاصيلها. محدثاً
نفسه، بصوت داخل رأسه "يبدو
أنني جننت!”.
كان
يرى نفسه غريقاً، خائفاً من خسارة إيمانه،
لم يعنه خوفه، فقد جاء ذلك اليوم.
تحدث
مع كبار "نجوم
الدعوة" بشكل شخصي، و مع كبار ما يسمونهم "علماء"
الدين.
لم
يجبه أي أحد منهم على تلك الأسئلة البسيطة.
نعم،
فقد كانت من وساوس الشيطان.
يبدو
أن الشيطان لديه أفكار أقوى من إيمانهم.
لم
يجبه أحد منهم على تلك الأسئلة التي سرقت
راحته و نومه. و
المضحك، أن الكثير يظنون أنه بحث عن ترك
الإيمان، لم يعلموا أنها نتيجة وصل إليها
بسبب بحثه عن الله.
بعد
أن فقد الأمل بؤلائك "العلماء"،
بدأ في تصديق إدعاهم أن الأسئلة مجرد
وساوس من الشيطان، و أصبح لا يفارق سجادته
الحمراء، مصحفه الأخضر الذي حفظ القرآن منه في طفولته، و أذكار
الصباح و المساء. قلقٌ
و خوف، هو كل ما يعتريه، زرعتها العبادة
التي لم يفهم هدفها عقله، و فكرة العذاب الأبدي
التي لم تقبلها فطرته.
و
بعد مدة من الزمن، بدأ يجد حالته تتحسن،
فأصبح لا يهتم بتلك الاسئلة، و لا يجعلها
تأرق مضجعة. و
لكنها لم تذهب أبداً.
بل
كانت تنموا و تكبر في كل يوم.
و لم
يكن فضوله يتوقف. يقرأ
و يبحث، و لكن باستحياء،
داخل
كتب الدين فقط، فهو خائف مما يخالفه،
فحتماً المخالف سيزيد "وساوس
الشيطان”!
في
يوم من الأيام، قرر أن دينه يجب أن يكون
صحيح و متين، لا يأتيه الباطل من بين يديه
ولا من خلفه، يجب أن توجد أجوبة على هذه
الاسئلة. بفخرٍ
قالها "نعم،
هذا هو الإيمان، هذه هي الثقة بالدين".
و يا
لسخرية القدر، كان ذلك اليوم هو نفس اليوم
الذي خسر فيه الإيمان!
بقي
يقول عن نفسه "مسلم"،
و لكن بداخله، لم يصدق نفسه، كان يعلم أنه
يحاول خداع نفسه لا أكثر.
لم تطل
الفترة. كخرز
المسبحة التي ما إن تسقط أحدها حتى يتبعها
البقية، و الغريب أن ما قطع خيط المسبحة
بادأ الأمر، هو الإيمان و الثقة بالدين!
هي تلك
اللحظة، التي تركض فيها خلف عقلك، ظناً
منك بأنك ستمسكه و تعيده إلى قفصه، فتتفاجئ
أنه أخذك إلى أماكن تجهلها.
"لم
أختر ترك الدين، بل أن الدين نفسه أجبرني
على تركه”.
هكذا قال.
أو، هكذا قلت..
هكذا قال.
أو، هكذا قلت..
أتذكر
كيف كنت أحاول إيجاد أي شيء لأتمسك به.
كنت
أعلم أن جميع آيات الإعجاز العلمي لا معنى
لها، مجرد تلبيس و خداع.
لكن
مهلاً، {بينهما
برزخ لا يبغيان} هذه،
لا يمكن أن تكون كذب، هي واضحة، لا تلاعب
بها. و
تذهب لصديقٍ تسأله.
فيجيبك
إجابة تطرح سؤالاً في رأسك، هل كون المعلومة
صحيحة يعني بالضرورة أنها إعجاز؟ لم أأخذ
وقتاً طويلاً حتى كفرت بالآلهة جميعها.
لننعد
للبداية، لا، ليس حينما قررت مواجهة
الاسئلة. قبل
ذلك بقليل. نعم،
توقف هنا، عند فضيلة الشيخ ج.ص.
ذلك
الرجل الفاضل الذي أحترمه و أقدره. كانوا يستعينون به لإقناعي
في طفولتي و مراهقتي، هو الذي كان معجب بابتسامتي
حينما كنت أعصي أوامرهم، و أتمرد على
عادتهم، و أرد حجته بعشرات الحجج.
كنت
مراهقاً حينها، كان يفقد أعصابه بسببي و
يستخدم مغالطتي الإحتكام للسلطة أو القوة.
أعلم
أنه لم يتخيل أن تمر السنين، ليتصل به ذلك
الفتى، الذي أتعبه بالعصيان و التمرد على
المألوف لما يقارب 9
سنين،
باكياً، طالباً المساعدة.
-
مرحباً
شيخي، استاذي، و معلمي. (لا أذكر أيها بالضبط).
- لا
تقلها، إنما نحن أصحاب.
-
حسناً،
لك ذلك. بصراحة
لدي بعض الأسئلة و الشكوك، و لكن أخجل أن
اسأل، فهو كلام لم أتصور أن ينطق به لساني
يوماً، أنه لشيءٌ مخجل.
-
اسأل
ولا تخف.
-
لماذا
خلقنا الله؟
- {و
ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون}.
- و
ما حاجته بعبادتنا له؟
-
{ما
أريد منهم رزقاً و ما أريد أن يطعمون}.
-
حقاً؟
-
نعم،
{و
من شكر فإنما يشكر لنفسه و من يكفر فإن
ربي غني كريم}.
-
إذن
لماذا خلقنا؟ إن كنا عدم قبل أن يخلقنا
كما يقول، فبالتأكيد لم نطلب منه أن يخلقنا
لنعبده. لم
نطلبه و نرتجه ليفعلها، ببساطة لأننا لم
نكن موجودين. لقد
فعل ذلك بمحض إرادته.
هو
أراد الخلق لا نحن. و
خلقنا، كما يقول، لنعبده، إذن هو من يريد
العبادة. أليس
كذلك؟
- يا
بني، {لا
يسأل عما يفعل و هم يسألون}
لا يحق
لنا أن نسأل هذه الأسئلة فعلمها عند الله.
-
حسناً،
شكراً لك.
في
المحادثة السابقة كنت لا أزال مسلماً، و
لكن لماذا "علمه
عند الله"؟
لماذا لا تقول ببساطة "لا
أعلم"؟
و كأنك توهم نفسك أن المعلومة موجوده، و
لكن "عند
الله”. لم
لا تقولها بصراحة، "أنا
لا أعلم”. حينما
يقول لي أحدهم "علمه
عند الله" ففي
الحقيقة هو يقول "أنا
لا أعلم". لنكن
صريحين، أنت لا تعلم، و أنا لست أفضل حالاً
منك. فلم نخدع بعضنا البعض؟ و ندعي أمتلاك الحقيقة المطلقة؟
لم نتكبر على من يأتينا متواضعاً ليسأل، لما
لا نخجل و نتواضع كذلك؟ حينما يقال و بفخر
"ديننا
صحيح.. ديننا
متين، و يجيب عن جميع التساءلات بشكل
منطقي"،
فالقائل يدعي إدعاءات جميلة، و لكنه ينسى
إدعاءاته حينما يقول "هذا
علمه عند الله" في
اللحظة التي يتم فيها سؤاله عن المسائل
الأساسية في عقيدته، اللبنات و الركائز
الأولى له، يرد بعبارة لا معنى لها سوى
"لا
أعلم شيء عن أساسيات عقيدتي، أنا أجهلها.
و لأني
أجهلها فأنا أصدقها".
لم
الخوف من السؤال؟ لم الخوف من الإعتراف
بجهلنا؟ لما الخوف من الإعتراف بالأخطاء
و المشاكل التي تبدى لنا؟ و الأمَّر و
الأدهى، لم التسليم بما لا نعلم؟ نعيش في أعلى ذلك البرجٍ العظيم، نسميه و بكل جرأة برج المعرفة، الذي نضحك متسمارين
مطمئنين في أعلاه، و ما أن نحاول النزول
لأسفله و أساسه، نجد أنه لا يلامس الأرض بل يطفوا على الهواء. ليس الهواء، بل يطفوا على الجهل الذي نوهم أنفسنا بعلمها.
و كل ما
نحن بحاجته هو النزول قليلاً إلى الأسفل
لنعلم حقيقته. على
الأقل، يوجد شيء في حالة الهواء، و لكن
في حالة الجهل، فلا يوجد أي شيء أبداً!
لنقلها
ببساطة، و لنتواضع، فلسنا مطالبين أن
نعلم كل شيء. فلنتشجع
و نقلها بصراحة. "أنا
لا أعلم”. فليس
عيباً أن لا نعلم، إنما العيب أن ندعي علم
ما لا نعلم. العيب،
أن ندعي وجود إجابة السؤال عن الله عند
الله، متجاهلين أن الله هو السؤال نفسه.
بل
أحياناً ندعي أن "الإجابة لدى الشيخ فلان
من الناس، و لكن نحن لا نعلمها". إننا إن قبلنا بذلك، فنحن
نرمي عقولنا لهاوية، و نضرب بالمنطق عرض
الحائط، و نبني أهم ما في حياتنا على
جهلنا، أو بعبارة أخرى على لاشيء. أعذرني،
لن أفعلها، الأولى أن لا أصدق بسبب جهلي.
أعترفت به، و سأظل أعترف به، و أقولها صارخاً بأعلى صوتي: أنا أجهل و لا أعلم، أقر بذلك.
باعترافي هذا لن يهدأ فضولي، و سيجبر عقلي على أن يتعلم و يستمر بالتعلم.
أعترفت به، و سأظل أعترف به، و أقولها صارخاً بأعلى صوتي: أنا أجهل و لا أعلم، أقر بذلك.
باعترافي هذا لن يهدأ فضولي، و سيجبر عقلي على أن يتعلم و يستمر بالتعلم.
طلبي
منك أن لا تتردد، كن شجاعاً و قلها.
قد
يصيبك الخوف من المجهول، خوفٌ مجسدٌ
بأوهامٍ لتقيدك. أشعر
بك يا صديقي، أنت تخشى السقوط من أعلى ذلك
البرج مصتدماً بالأرضِ إن أكتشفت أن لا أساس في الأسفل
يستند عليه. لا
تخف، تستطيع تحطيم هذه المخاوف، فالبرج
غير موجود إلا في خيالك، ليشعرك بأنك
“تعلم”. أما
في الحقيقة،
أنت
هنا..
نعم،
هنا بجانبي ..
على
الأرض.
أقسم
لك بكل بأغلى ما لدي أن لا عيب في أن نقر
بجهلنا، قلها بشجاعة، و أتبع عقلك إلى
حيث يأخذك.
محبة..

No comments:
Post a Comment