حينما يصبح الكلام عن الحجة الوجودية
(ontological argument)، فإن الكثيرين يرونها
حجة سيئة أو إثبات غير مقنع حتى بين المؤمنين. و من وجهة نظري، فأنا لا أعتقد أن هذه الحجة يمكن أن
تأخذ بجدية، لأنها فعلياً لا تتصل بالواقع بأي صلة، لكن أنقشها هنا لأنها تذكر
كثيراً من قبل المؤمنين، بل و أنها حجة ماكرة جداً تستحق المرور عليها، لدرجة أن راسل ذكر أنه فكر
لخمسة عشر دقيقة بأن أنسلم قد يكون مصيباً. بالإضافة إلى أنها تمرين ذهني جيد جداً. فهي حجة عقلية بحته.
مقدمة:
تاريخياً، طرحت الحجة الوجودية كأول
مرة من قبل أنسلم (St Anselm) في القرن الحادي عشر. و لديها
نسخ مختلفة تم تقديمها من قبل ديكارت (Descartes) في القرن السابع عشر، بلنتنغا
(Alvin Plantinga) في القرن العشرين، و آخرين.
هنا سيكون تركيزنا على التعريف الذي يقدمه أنسلم، و أعتراض غانيلو (Gaunilo) –ما يعرف بالجزيرة المفقودة، و رد بلنتنغا بالإضافة إلى أعتراضات
أخرى.
الحجة:
في كتابته، ينعت أنسلم من لا يؤمن بوجود الإله 'بالأحمق'، وهو وصف مقتبس من الكتاب المقدس. فيقول أنسلم بأن الإيمان بوجود الرب لا يحتاج إلى دليل أصلاً، ولكن إن طلب الأحمق دليلاً فهذا دليل يثبت وجوده، حسب أنسلم على الأقل. تشتهر الحجة بتعريفها للإله، فيبتدأ
أنسلم حجته بتعريف الإله بـ "الشيء-الذي-لا-يمكن- التفكير-بشيء-آخر-أعظم-منه"،
و من ثم يضع الحجة بالشكل التالي: الشيء-الذي-لا-يمكن-التفكير-بشيء-آخر-أعظم-منه الذي
يوجد فقط كفكرة لن يكون أعظم من الموجود في الواقع. و بما أن الإله سيكون أعظم إذا
كان موجود في الواقع، إذن فالإله موجود.
إن لم تفهمها فلا بأس، فهي غريبة بعض الشيء، سأعيدها بشكل آخر، الله هو أعظم كيان
يمكن تصوره. فكر بكيان عظيم و ضع له كل الصفات التي تريدها لتجعله عظيم، فكرت؟ هل
هو موجود في الواقع؟ إذا كانت إجابتك لا، فإن ما تصورته ليس أعظم ما يمكن تصوره لأني أستطيع أن أفكر بواحد أعظم
منه لأنه موجود. بشكل بسيط جداً، الله لا يمكن لشيء أن يكون أعظم
منه، الله موجود كفكرة، إذن الله موجود في الواقع.
مغالطة
التلبيس:
أول اعتراض أود تقديمه هو أن الحجة
تستخدم مغالطة التلبيس (equivocation
fallacy).
حينما حاولت نقد الحجة للمرة الأولى بدت لي و كأن المشكلة في استخدام كلمة
"موجود"، و لكن الآن أعتقد أن المشكلة في كلمة "إله". تستخدم الحجة
معنيين مختلفين لكلمة واحدة و تظهرهما على أنهما نفس الشيء. قبل أن نكمل لنأخذ
شرحاً بسيطاً في المغالطات المنطقية لنوضح هذه المغالطة. هنا مثال لحجة تحتوي على هذه
المغالطة:
1- فنان
تعني حمار.
2- سيلفدور
دالي فنان.
3- إذن سيلفدور
دالي حمار.
في هذه الحجة يستخدم كلمة فنان بمعنيين
مختلفين، في المقدمة المنطقية الأولى يستخدم كلمة فنان بمعنى حمار. في المقدمة
الثاني يستخدم نفس الكلمة بمعنى ممارس الفن، و الفن هو العمل الإبداعي، أي ممارس
العمل الإبداعي. تسمى هذه المغالطة بمغالطة التلبيس يتم من خلالها استخدام معنيين
مختلفين لكلمة واحدة و كأنهما نفس المعنى.
لنعد
للحجة الغائية، لنوضح المغالطة فيها سنقوم بوضع الحجة بشكل منهجي:
1- الإله
هو كيان لا يمكن تخيل أعظم منه.
2- الإله
موجود كفكرة في الذهن.
3- الكيان
الموجود في الذهن و الواقع أعظم من الكيان المشابه له في كل شيء إلا أنه موجود في
الذهن فقط.
4- و بالتالي،
إذا كان الإله موجود فقط كفكرة في الذهن فإننا يمكن أن نتخيل كيان أعظم من الإله.
5- لكننا
لا نستطيع تخيل شيء أعظم من الإله.
6- إذن،
الله موجود.
كما ترى،
يتم استخدام معنيين مختلفين لكلمة "إله". المعنى الأول، الإله الموجود
في الواقع، المعنى الثاني الإله الموجود كفكرة فقط. في النقطة 4 يتم استخدام كلمة
إله كما لو كان لها معنىً واحداً (إذا كان الإله موجود فقط كفكرة في الذهن فإننا
يمكن أن نتخيل كيان أعظم من الإله)، في حين أنه يتحدث عن شيئين مختلفين. الاستخدام
الأول (إذا كان الإله موجود فقط ...) هنا يتحدث عن الإله الأول و لكن بعد ذلك يغير
استخدامه إلى المعنى الثاني (يمكن أن نتخيل كيان أعظم من الإله) أي (الإله الأول).
اعتراض
غانيلو:
اعتراض غانيلو (الجزيرة المفقودة) يقصد
منه أن الحجة ليمكن استخدامها لأي شيء. فيه يتحدث غانيلو عن أفضل جزيرة يمكن
تخيلها، و من ثم يدعي أنها موجودة. يرد عليه بلنتنغا بأن الجزيرة يجب أن تكون
موجودة، فإذا لتكون عظيمة، و إن لم تكن موجودة فهذا يعني أنها ليست عظيمة. لن أفصل
كثيراً في شرح ذلك، ما أسأقوم به هو طرح الاعتراض بطريقة أخرى لأوضح نفس الفكرة
(يمكن استخدام الحجة مع أي شيء). شخصياً، أحب اليونيكورن، أعتقد أنها كائنات لطيفة
(cute) تستحق أن تكون موجودة. لذلك سأحاول استخدام
الحجة الوجودية لإثبات وجود اليونيكورن. أولاً، أود أن أعرف اليونيكورن، لا أعلم
كيف تعرفه، لكني شخصياً سأعرفها كـ ألطف-كيان-يمكن-تصوره (the cutest possible being). بهذا أعني أنه لا يمكن لأي كائن أن يكون
ألطف منه. لنرى إلى أي مدى يمكننا أخذ هذه الحجة:
1- اليونيكورن
كيان لا يمكن تصور كيان ألطف منه.
2- اليونيكورن
موجود كفكرة في الذهن.
3- الكيان
الموجود في الذهن و الواقع ألطف من الكيان المشابه له في كل شيء إلا أنه موجود في
الذهن فقط.
4- و بالتالي،
إذا كان اليونيكورن موجود فقط كفكرة في الذهن فإننا يمكن أن نتخيل كيان ألطف من اليونيكورن.
5- لكننا
لا نستطيع تخيل شيء ألطف من اليونيكورن.
6- إذن،
اليونيكورن موجود.
هذه ليست سخرية، إذا كنت استطيع لمس، و تحسس، و ضم، و اللعب مع كيان
ما، فإن هذا الكيان سيكون ألطف من الكيان الموجود كفكرة فقط، و الذي لا استطيع
لمسه، تحسسه، ضمه، ولا حتى اللعب معه. لهذا فأنا أعتقد أن ألطف كيان يمكن تصوره
يجب أن يكون موجود، عدا ذلك، فإننا يمكن أن نتخيل كيان ألطف منه و هو الكيان
الموجود في الواقع. أليس اليونيكورن لطيف؟ لا أعلم وجهة نظرك تجاه اليونيكورن، لكن
إثبات أن اليونيكورن هو ألطف-كيان-يمكن-تصوره هي مسألة أخرى. و حتى لو لم تتفق معي
في هذا التعريف، كل ما عليك فعله هو تغيير يونيكورن إلى يونيكورنياو. اليونيكورنياو،
و هو كيان مختلف عن اليونيكورن، هو ألطف كيان يمكن تصوره. و طالما أن وجوده في
الواقع سيجعله ألطف، إذن فهو موجود. قد تعارض بأن فكرة اليونيكورنياو ككل فكرة
مختلقة. نعم، هي كذلك، لكن ما الذي يجعلها مختلفة عن فكرة الإله ككل؟ ادعائي هو أن
كلاهما مختلقان، و ما يجب عليك أثباته هو أنها حقيقة، و ليس البدء من أن
"الإله-ليس-فكرة-مختلقة". من يستخدمون هذه الحجة، مثل أنسلم و بلنتنغا،
يرفضون استخدام نفس الحجة مع أي شيء عدا الإله. و لكن أود أن اسأل، لما لا؟ كل ما
يفعلونه هو البدء من النقطة التي يجب أن ينتهون منها، و هي أن الإله فكرة غير
مختلقة، و من ثم يحاجون منطلقين من ذلك، حيث لا يمكن استخدامها إلا مع الإله قائلين
"لا، لا، لا، الإله يجب أن يكون موجود حسب تعريفه"، اليونيكورنيا يجب أن
يكون موجود حسب تعريفه أيضاً! و هذا يأخذنا للاعتراض الثالث على هذه الحجة، و هو اعتراض
مأخوذ من ديفد هيوم في 'Of the idea of
existence, and of external existence'
و التي تناقش أن فكرة الوجود في هذه الحالة فكرة خاطئة أساساً.
الوجود حسب هيوم:
ما قاله هيوم عن
فكرة الوجود هو أنها مضافة لكل شيء. بعبارة أبسط، التفكير بشيء ما هو التفكير بأنه
موجود. و بالتالي، أنت كمن يفكر بـ (أ)، ثم يفكر بأن (أ) موجود. ما يقوله هيوم هو
أنه ليس هنالك حاجة للفكرة الثانية، لأنها لا تضيف أي شيء للفكرة الأولى. باختصار، التفكير بشيء ما هو أن تفكر بأن
هذا الشيء موجود في بادئ الأمر، من دون الحاجة للتفكير مجدداً بأنه موجود، و مع
ذلك هذا لا يجعله موجود حقاً.
ختام:
أعتقد أن الأحمق،
(و الذي أدعي أنه ليس كذلك، و قد يرى فرويد ذلك على أنه أسقاط نفسي من قبل أنسلم)،
يستطيع الرد على هذه الحجة باستخدامها ضد الإله. بصوت هادئ، و ابتسامة خفيفة،
جميلة، و ودودة، يرد قائلاً "
أعظم-كيان-يمكن-تصوره-والذي-لا-يمكن-تصور-كيان-أعظم-منه يجب أن يكون عظيم في الفضيلة.
و لكن الفضيلة تتطلب معاناة. و طالما أنه بإمكاننا تصور كيان لا يعاني (ليس عظيم
في الفضيلة)، هذا الكيان سيكون أعظم من الإله، في هذه الصفة على الأقل، لأنه لا
يعاني. و بالتالي فإن أعظم-كيان-يمكن-تصوره-والذي-لا-يمكن-تصور-كيان-أعظم-منه لا
يمكن أن يكون موجود.
أخبرتك سابقاً بأن فكرة الإله فكرة مختلقة، و هذا هو دليلي أنها غير ممكنة
منطقياً. لا استطيع أخذ هذا النوع من الحجج بشكل جدي، و لكن بما أنك وضعت حجتك على
الطاولة، فهذه حجتي أيضاً .. أيها السيد المحترم".

No comments:
Post a Comment