هي فكرة بسيطة وصغيرة
أحببت مشاركتها مع إخوتي وأصدقائي المؤمنين. خاطرة أردت تدوينها، وأرجو ألا تحمل
أكثر مما تحتمل.
دائماً
ما يقال إن الله هو العطاء الذي يعطي ولا ينقص من خزائنه شيء، الغني ونحن الفقراء
إليه، هو الخير المطلق الذي يرشدنا لفعل الخير في هذا العالم مع غيرنا. لكن لو كنت
أؤمن بأن لله الكمال المطلق، وأنه لا يمكن لأي كيان آخر أن يكون أعظم منه لما
دعوته. لماذا علينا أن ندعوه؟ لماذا ندعو الخير المطلق ليكون خيراً معنا؟ كيف نسأل
الخير ونتذلل له ليكون ما هو عليه، خير؟ لا يسأل الأبناء آباءهم الرعاية، ولا يسأل
الصديق صديقه الوفاء، فلماذا إذاً يسأل الخير بذاته أن يكون خيراً؟! لماذا ندعوه
ليشفي مريضاً؟ نتضرع ونبكي، نتذلل له. إن دعائي للإله إهانة له، ولو كنت مؤمناً
بإله لنزهته عن دعائي له.
لماذا
علينا فعل ذلك؟ إن كنت أؤمن بالله فغالباً سأؤمن بذلك الكيان الشرير في الطرف
المقابل، رمز الشر في العالم، الشيطان. ماذا سأبقي للشيطان إن دعوت الله؟ في
الحقيقة، لو قيل إن الشيطان يطلب منا دعاءه وطلب العون منه لكانت المسألة منطقية أكثر
من دعاء الله. فهل يرضى الخير أن يتذلل له؟ أين خيره إن كان يريد رؤية الذل
والهوان؟ إن طلب أحدهم أن يطالب منه أن يكون طيباً وخيراً بتذلل ورضوخ ألا يجعله
ذلك بعيداً كل البعد عن الخير؟ أيرضى الخير أن يتذلل له الآخرين أم أن ذلك من
خصائص الشرير؟ من منهما بحاجة لإشباع غروره لكي يعطيك ما تطلبه؟ إن كان الإله يطلب
منا التذلل والخضوع له فهذا طلب يهينه ولا يرفعه ليكون الكيان الذي لا يمكن لأحد
أن يكون مثله بالصفات الحميدة. الجبروت والكبرياء والغرور وطلب التذلل صفات غير
حميدة، مجدداً، إن أعطيناها للإله فماذا سنبقي للشيطان؟ لا أستطيع تخيل أن الإله
لو كان موجوداً وكان له الخير المطلق أن يطلب أن يتذلل له الآخرون، فهذا سيجعله
يتصف بصفات رذيلة كتلك.
إن الإله، الذي هو رمز
الخير، يجب أن يكون طيباً وكريماً. وإن قلنا إنه يعلم ما نريد، لماذا إذاً نحن
بحاجة لأن نطلب منه أصلاً؟ أليس من المفترض أن يقوم بذلك من دون الحاجة لتذللنا؟
هو خير، أليس كذلك؟ لما لا يشفي مريضنا إلا بدعائنا وتذللنا؟ لما لا يشفيه؟ أليس
ذلك خيراً؟ لما لا يفعله؟ ألا يبدو هذا من صفات ملوك الدنيا المتغطرسين؟ الذين
يمنعون الخير عن الناس حتى يتذللوا لهم إشباعاً لغرورهم وتعاليهم؟ ألا يستحقر
الملك الذي يجعل من هم أضعف منه يتذللون له؟ أحاول تخيل خير وعظمة بصفات ملوك
الدنيا المتغطرسين هذه ولكن لا أستطيع، هل لك أن تحاول تخيلها معي للحظة قبل أن
تكمل؟
قد يقال إن "الله
يريد أن يرى إيماننا وثقتنا به حينما ندعوه"، لماذا؟ ما الهدف؟ ألا يفترض أن يعلم
ذلك مسبقاً؟ أوليس هو الخير المطلق؟ إن لم يكن الخير المطلق خيراً إلا بعد أن نسأله
ونطلب منه، فما فرقه عن غيره من الشر والكبر والغرور؟ ألا يجعل تقبله للدعاء حسب
حالة تذللنا له من خيره أمراً نسبياً؟ ألم يتغير هنا خيره بتغير حالتنا في الدعاء؟
إننا نشبه الخير المطلق بملوك الدنيا المتغطرسين، الذين يجلسون فوق عروشهم مشاورين
أنفسهم "أهو واثقٌ بي؟" ويضيفون “هل تذلل بما فيه الكفاية؟" أهذا
هو الخير المطلق؟ أهذا أقصى ما يصل إليه الخير؟ عذراً، فأنا أعرف بشراً لا ينتظرون
أن يسألوا ويطلب منهم المساعدة ليفعلوها، بل أنهم، ومع فقدانهم لمطلق العلم، يسعون
للبحث عمن يحتاج إلى مساعدتهم ليساعدوهم حتى من دون أن يجعلوا من تلقى المساعدة
يعلم بها زهداً وتواضعاً. أهم أخير من الله؟ عذراً مجدداً، لا أستطيع تخيل الإله
العظيم أقل شأناً منا. ولو كنت متخذاً إله لنزهته عن هذه الصفات المتغطرسة والتي
تفوح بالكبر والخيلاء.
شيء آخر، ماذا إن لم يستجب
الدعاء؟ تذللنا وخضعنا، أين خيره؟ سيقول قائل "الخيرة فيما أختاره الله"
أو "لا تدري قد يريد لك شيئاً أفضل" ألا يفترض أن يكون كريماً؟ وماذا عن
خزائنه التي لا تفذ؟ لما لا يعطينا ما نريد من خير ويضيف ما يخطط له لاحقاً؟ أين
كرمه المطلق؟ وخيره المطلق؟ أهذه الصفات تجعل من الملوك عظماء أم متغطرسين؟ أهكذا
نعظم الإله؟
قد يعترض أحدهم قائلاً
بأن الله مستحق للعبادة والتذلل له، أما الملوك فلا. فليكن كذلك. ألا يستحق من
يتبرع الشكر؟ ألا يستحق فاعل الخير الشكر على فعله؟ كثير منهم يتغلبون على حبهم
لذواتهم، ويتنازلون عما يستحقونه من شكر، مرتقين بخيرهم لمكانة أعلى، وهي فعل
الخير لذاته، لا لأنك ترى استحقاقك لمقابل. فما رأيك فيمن يرى المقابل هو ذل
الآخر؟ هل هذا يدعى خيراً؟ هل طلب الذل خير؟ قد يرد، هو لم يطلبه، ولكن استحقاقه
له يجعلنا نفعله وإن لم يطلبه. إذاً لماذا يتنظر التذلل والخضوع له لكي يفعل
الخير؟ وإن كنا نراه فاعلاً للخير من دون تذللنا، فلماذا ندعوه ونتذلل له؟ خلاصة
القول هي، هل يمكن وجود ما هو أخير من الله؟ إن كان الجواب بنعم فخيره ليس بمطلق،
ويوجد من هو خير منه. وإن كان الجواب بلا، فخيره مطلق أي لا يمكن أن يكون هناك ما
هو أخير منه. فإذا كان خيره مطلق، فلا مجال له لأن ينتظر تذلل الآخرين له، ولا
مجال له في أن يتقبل الذل والهوان من الآخرين. فالخير لا يقبل ذل الآخرين وإلا فما
معنى الخير؟ مجرد قبولي لفكرة أنه يقبل أن يرى الناس أذلاء ومنكسرين على أبوابه هي
إهانة له. إهانة يجب عليَ أن أنزهه منها لو اعتقدت بوجوده تعظيماً له.
أينما
ذهبنا سنعود لسؤالنا الأول، لماذا نطلب ونتذلل للخير أن يكون خيراً؟ إن كُنت مؤمناً
بالله فغالباً سأكون مؤمناً بالشيطان، سأعتقد أن الشيطان هو من يطلب منا الدعاء،
فأنا بذلك أهينه، فهو من يستحق صفات الجبروت والتعالي والغطرسة والغرور. هو من
يستحق أن يكون ذلك الكيان الذي يتمتع برؤية الآخرين أذلاء. وسأنزه من أعظم، الإله،
عن هذا القبح الذي سأنسبه إليه إن دعوته. ذلك أكثر تعظيماً له، وأكثر احتراماً مني
لعظمته. سؤالي الأخير قبل أن أنهي، والذي أتمنى أن يجيب الجميع أنفسهم عليه، وأن يَصْدقوا مع أنفسهم على الأقل في الإجابة. لو قلنا أن ملكاً أسس دولة كبيرة بجهده، وأمسك بالثروات
كلها في يده، متكدسة لا يستفيد منها، وحرمم شعبه ثروات الأرض. ثم طلب منهم أن يتذللوا له لكي
يعطيهم حاجاتهم. فهل هذا الملك متصف بصفات الإله أم الشيطان؟
دمتم بمحبة،

No comments:
Post a Comment